معضلة التخصص الجامعي

25 أبريل 2008. كتبه في قسم التعليم | الردود: 46

تردني الكثير من رسائل الإيميل عن اختيار التخصص الجامعي و بالذات عن تخصصات الحاسب. اختيار التخصص الجامعي عندنا هو معضلة كبيرة، فالطالب يدخل الابتدائية و المتوسطة و يتخرج من الثانوية و هو لا يدري ماذا يريد أو ما هو بارع به، و يتحير بين تخصصات لم يسمع عنها من قبل.

نماذج من تلك الأسئلة:


ارجو افادتي ايهما الافضل في المستقبل دراسه برمجه الحاسب ام تقنية الشبكات ارجو افادتي لانني متحيره ولا اعرف ايهما افضل.


بأي التخصصين تنصحني..
وإذا كنت تنصحني بهندسة البرمجيات فهل مستقبلها الوظيفي جيد؟ (وهذا هو الأهم)..


نويت إني أخش هندسة حاسب ولكن ما أدري حاسس شي غريب وأسمع كلام إنو تخصص وظائف فيه قليل وإنو يكون المطلوب منو قليل في المكان المناسب له أي واحد أو إثنين خلاص يكفو …. فا والله أنا نفسي مين ينصحني أخش فين وأروح فين ونفسي آخذ معلومات عن القسم هذا بالذات


انا بغيت أسألك عن وجهة نظرك في تخصص Software Engineering كماستر ..
هل ترى انه جيد .. أم افضل انو يكون في البكالوريوس ؟؟

    تدور كل الأسئلة و منها السابقة على العوامل التالية في اختيار التخصص:

  • عدم معرفة التخصص
  • “المستقبل الوظيفي”
  • التخصص “أفضل” من غيره ، أو أنه “جيد”
  • “نصيحة” الآخر
  • كلام الناس

عدم معرفة التخصص
إذا كنت لا تعرف عن ماذا يتحدث تخصص معين، فخذ أوراقه من الجامعة و تفاصيل مواده، و أقرأ تفاصيل كل مادة و ماذا يدرّس بها. إسأل من سبقك في التخصص عن المواد ذاتها، اجعل أسئلتك دقيقة، لا عامة و فضفاضة كـ “هل التخصص صعب؟؟”. إذهب لدكتورك المشرف في الجامعة و شاوره في اختيار تخصص، سيساعدك بالتأكيد، ثم استخر الله و توكل عليه و اختر تخصصك.

المستقبل الوظيفي و أفضلية تخصص على غيره
اختيار التخصص بناء على أن له مستقبل وظيفي أو أنه أفضل من غيره أو جيد ، أقول هذه عوامل واهية بل خرافات. لا يوجد شيء يثبت أن تخصصا معينا له مستقبل وظيفي أفضل من غيره أو أن هذا التخصص جيد، فلو اخترت “أفضل” تخصص في نظرك أو سمعت عنه و لم تحبه و تخرجت منه بمعدل منخفض فلن يكون لك مستقبل وظيفي و لن يكون هذا التخصص “أفضل” بالنسبة لك. و العكس صحيح، لو دخلت أسوء تخصص بنظر من حولك لكنك تحبه و أبدعت فيه فسيكون لك مستقبل وظيفي باهر!

إضافة
أنا لا أقول أن المستقبل الوظيفي غير مهم، كلا، بل أقول أنه أنت من يحدد مستقبلك الوظيفي، و ليس تخصصك هو الذي يحدد. و ما أعنيه بالعامل الواهي هو أن تقول أن التخصص الفلاني له مستقبل وظيفي فهذا طرح خاطئ بالأساس.

نصيحة الآخر و كلام الناس
لا أستطيع أنا أو أي أحد أن يحدد أي التخصصات هو الأفضل لك، أنت من تحدد. لو أن شخصا نصحه أباه مثلا أن التخصص الفلاني هو المناسب له و دخله و تخرج منه و لم يعجبه، سيلوم أباه في النهاية، لكن الملام الحقيقي هو الشخص النفسه، لأن هو من اختار تخصصه.

إذاً، ماذا يحدد تخصصك؟
ما يحدده هو حبك للعلم الذي ستتعلمه من التخصص، إسأل نفسك هذا السؤال: هل أحب و أتوق لمعرفة المعلومات التي سأدرسها في هذا التخصص؟ سؤال بسيط جوابه نعم أو لا، لكن عندما يكون الجواب “لا أدري” فهذه هي المشكلة التالية: ما الذي يحدد حبك لتخصص ما؟

ما الذي يحدد حبك لتخصص ما؟
ينطلق الحب لعلم ما من منطلقات كثيرة منها الاستمتاع بالاكتشاف و المعرفة، لكن في من وجهة نظري أن المنطلق الرئيسي هو أهدافك و أحلامك.

و أعطيكم قصة عن هذا الشيء
كنا ندردش أنا و أصدقائي أيام الثانوية و قد قاربنا على التخرج منها، سأل كل منا الآخر عن الجامعة و المستقبل، و طرحت على أحدهم سؤالا، ما هو هدفك في الحياة و ما الذي تريد أن تنجزه قبل أن تموت؟ فكان جوابه أن يحصل على وظيفة و راتب جيد و يبني بيتا و يتزوج، قلت له: فقط!!؟ قال: نعم فقط! و أتسائل حقيقة إن كانت “فقط” هذه هي أحلامنا و أهدافنا في الحياة؟

لا أقول أن الوظيفة و الراتب و الزواج هي ليست أحلام، بل أحلام لكن من الدرجة الثانية إذا يمكن القول، و ليست من الدرجة الأولى. الأحلام يجب أن تكون نوعا ما غير منطقية و لكن خطوات تحقيقها منطقية، مثلا أن تغيرا شيئا في بلدك و في مجتمعك بالطريقة التي تعجبك، لكن كيف تحدث هذا التغيير؟ هل تعلمك لشيء معين و استمرارك به و إبداعك فيه سيحقق أو يسهل لك ذلك؟

عندما أشاهد محاضرت TED لأناس عظماء في مجالات عدة، أو في التلفاز أيضا، أسمع هذه الكلمة مرارا عندما يتحدثون عما قدموه من علم أو منتج، دائما ما يقولون
“To make the world a better place” “لجعل العالم مكانا أفضل!”.

و ما يحزنني هو أننا كمسلمون و خير أمة أخرجت للناس من المفترض أن نكون أول البشر في الاهتمام بالعالم و الكون بأسره، وأن تكون أهدافنا تنصب في جعل هذا الكوكب مكانا أفضل، أن نجعل بلدنا مكانا أفضل، أن نجعل مجتمعاتنا أفضل. و طريقة كل منا لتحقيق ذلك هي ما تحدد طريقه و تخصصه في الحياة. الوظيفة و الزواج و البيت يأتون تباعا لأحلامك الكبيرة.

دعونا من كثرة الكلام في الأمور السياسية و الدينية أو غيرها وأن هذا الوضع يجب أن يتغير أو ذاك، سئمنا من كلمة يجب أو سين سنفعل و سنغير، و لنقم بفعل شيء حقيقة للتغيير بدلا من الكلام.

كيف تخطط لحياتكخلاصة القول، عليك أن تحدد أحلامك بوضوح قبل أن تختار تخصصك، و عليه ستختار التخصص الأفضل لك. من الأشياء التي ساعدتني في ذلك محاضرات الدكتور صلاح صالح الراشد التي كانت تعرض في قناة سمارت واي، و كتابه كيف تخطط لحياتك؟ كذلك الذي يرشدك لكتابة خطتك للعشرين سنة القادمة و ماذا تريد أن تنجزه قبل أن تدفن في باطن هذه الأرض..

لا و أكرر لا تعتمد على عوامل واهية لتحديد تخصصك كالمستقبل الوظيفي مثلا، أكبر خطأ أن تختار تخصص بناء على عوامل آخرى غير محبة العلم الذي ستتعلمه، اختر التخصص الذي تحبه أكثر.

شارك الموضوع على